الخميس، 15 مارس 2012

خواطر في سنة ادمتني كثيرا 3

لم يتغيّر شيئ سوى أنني حملت محابر القلب والدم هذه المرة، وليس محابر الدمع لأكتب عن عام رحل.

لم يتغير شيء عن الأحزان التي أجمعها في نهاية كل سنة في قارورة خواطر، سوى أن مرارة الفراق وألم الرحيل جاء فوق العادة التي ألفتها تجرح وتداوي.

مرارة قتلتني وأصابتني في الصميم دفعة واحدة، لهذا اقول عن السنة الكابوس البائدة بأنها ادمتني لا أبكتني .. رحيلٌ قتّال غيّر معالم الأيام وبعثر الذكرى وبدّل عنوان البكاء الذي ظننته سيبقى ملازما للخواطر، واذ بالدم يقحم نفسه في سطور عتابي مع العام الراحل، الدم الذي أشعر بجفافه في عروقي منذ أسمعني الزمان أسوأ خبر وسلخ من دمي وقلبي رفيق العمر والطفولة والشباب والايام الحلوة ومنذ ماتت حكايات الشتاء برحيل ناثرة الدفء والأمان في صور الطفولة والذكريات، جدتي التي ذقت برحيلها طعم اليتم لأول مرة لأعود وأتذوق طعم حرقة العمر بعد عبور حفنة من أيام العمر.

سنة يخبرونني بأنها بدأت بائسة وهزيلة وسوداء لكنني لم التفت لها ولم أعرها قطرة حبر الى ان جاء أوان الرحيل غادرًا صفاء زرقة الصيف المذبوح فكان الرحيلان المران وكانت المرارة التي انسكبت على دفتر الخواطر الحزين وستبقى تكسو كل الكلام المقبل على هيئة دموع مشتاق وعلى هيئة ناي دخيل في جوقة فرح تنشد اوتاره أنين الحنين الى من رحلوا .
سنة علّمتني أن أتعلق بالأحباء أكثر أن أسأل عن الجميع أكثر وأن لا أرد طالب لقاء .. لأن الساكنين فيَّ يوم رحلوا لم يقولوا الى اللقاء ولم يصافحوني آخر سلام أغلقوا عيونهم قبل ان يتجرأ اللسان أن يسأل في حضرة القدر عن أسباب السقم الذي ابتاع اكفانهم السمحاء وحملهم الى دنيا الحق.

سنة أبكتني وأدمتني وسحقت جسدي وقامتي قبل أن تذكرني وأنا أخط هذا الخواطر بأن السنين المقبلة ومهما بدلّت مساحيق تجميلها ستبقى بدون الأحبة أحزانًا مستعادة لا بدّ فيها من مواسم تحوم فيها الأشواق على شظايا طيف الغائبين كما الفراشات
على الوان الربيع وكما النحلات في موسم الرحيق !

عمر الفاروق النخال
نهاية 2011

2011 .. وللاعلام ربيع ايضا !!


لم يسبق للإعلام العربي أن لبس حلّة الريادة كما كان حاله هذا العام، فلأول مرة بدا إعلامنا وكأنه نجح في اقتلاع رواسب المواقف المسبقة التي طبعته طيلة عقود، وجسّد خلالها المراقب العربي دور المتلقي بنمطية خالصة بعيدة كل البعد عن الديناميكية والتحليل والفهم الصحيح للأحداث، ولكن دون إغفال الانزعاج والامتعاض الكبيرين الذين عبّر عنهما بطرق ووسائل افتقدت الى العلمية، وبقيت في إطار المشاكل المزمنة ما بين المواطن العربي وإعلامه، إلى إن جاء الربيع العربي محققًا "النفضة" المنتظرة منذ عقود ومنجزًا بالتالي المصالحة التاريخية بين مواطن بدأ يجد صوته وصورته ومزاجه وإعلام تأثر بشعار المرحلة الصادح "الشعب يريد".
قد يكون من الجرأة في مكان، القول بأن الإعلام العربي إستحق عام 2011 جرعة من الربيع الذي تفتّح في طول العالم العربي وعرضه، بالنظر الى عنصر المفاجأة الذي صدم الاعلام في المرحلة الأولى من هذا الربيع وحمله على مواكبة الحدث بأسوب لم يخل من الارتباك والأخطاء أحيانا كثيرة، وبالنظر أيضًا الى تفاوت قراءة هذه الثورات حتى ما بين المراقبين الذي وصف بعضهم الثورات والانتفاضات المتنقلة بغير الناضجة وأسقطوا مثل هذه القناعات على توصيف الحالة الاعلامية المواكبة للربيع العربي.
ولكن أمام الصعود النوعي لنجم هذا الإعلام خلال هذا العام المنصرم لا نستطيع إغفال حقيقة أكثر من واضحة مفادها أن إعلامنا غاص في بحر من التجارب الدقيقة أحيانًا والعشوائية الفاقدة للتخطيط أحيانا كثيرة، وهذا المزج أسس في المحصلة لمشهدية إعلامية جديدة وطريقة عمل جديدة لا عودة فيها إلى خريف إعلامي يتحكم به مقص رقيب وتغربل مضامينه أقلام حمراء، اللّهم إلاّ أذا كان ما نشاهده اليوم مجرّد نشوة عابرة سيخسر الاعلام العربي بعدها المعركة والمبادرة وهذا ما لا نتمنّاه.
وعندما نتحدث عن مشهدية إعلامية جديدة أفرزها الربيع العربي، فلا بدّ من التوقف عند العناصر الجديدة التي دخلت على خط التقدم ودفعتنا كمراقبين للنظر بعين الأمل الى الربيع الاعلامي المُعاش، فنصادف لأول وهلة الشباب العربي الذين جعلوا من حواسيبهم الشخصية وهواتفهم الذكية ومدوناتهم وصفحاتهم على المواقع الالكترونية التفاعلية المصادر الأساسية لرياح التغيير بعيدًا عن الصبغة السياسية والاقليمية له، وهذا بشهادة آلاف التقارير والمقالات والدراسات التي كتبت عن استياء الدوائر اللصيقة بالأنظمة السياسية البائدة من تعلق الشباب العربي بوسائل التواصل الاجتماعي.
والأهم من الشباب العربي الذي فجّر رؤاه وأفكاره على الصفحات العنكبوتية، إيمانُ الوسيلة الاعلامية العربية بالمضمون الذي حاول الشاب العربي تقديمه رغم بعده عن التخصص وافتقاده للحرفية المطلوبة، فعندما عجزت هذه الوسائل الإعلامية عن استقاء المعلومات المرتبطة بالربيع العربي وأحوال الثورات والانتفاضات، أدركت بأن الحلول المتاحة ليست أكثر من الصور والأفلام ومقاطع الفيديو الملتقطة بالجودة المعقولة لكن القادرة على ايصال صور الظلم والقتل والدم والتضييق الى كل من يهمه الأمر.
وهكذا توطّدت العلاقة بين الاعلام والشباب العربي، وهكذا أحيط الحدث بالكم المطلوب والوافي من المعلومات ومقاطع الصوت والصور على رداءتها أحيانا، وهكذا اكتشف الناشط والشاب العربي فعالية نشاطه ودوره في حراك التغيير، هذا عدا عن أهمية عنصر الثقة التي منحها الاعلام العربي للشباب بمجرد عرضه لصور وتعليقات وأفلام الناشطين الأمر الذي عزز ثقافة الصحافي المواطن، وأضفى على الحراك الاعلامي أسلوبًا جديدا سينعكس ارتياحًا على العمل الاعلامي العربي في المستقبل وسيوّسع المصادر الإخبارية للأحداث.
ومن علامات التقدم الذي أنعش إعلامنا العربي، نزوله مع الاعلاميين من البرج العاجي المراقب للحدث حتى حدود التنظير، الى ما يشبه الميادين المصغّرة لتلك التي نادى منها الشباب العربي بالحرية والكرامة وهذا ما لمسناه من خلال التغيير الجذري الذي طرأ على التغطيات الاخبارية التي انتقلت من اسلوبها السردي النمطي الى الاسلوب التفاعلي الذي حول المداخلات والاتصالات الهاتفية المباشرة وشهود العيان الى المصدر الأساسي للمواقف أكثر من دوائر القرار والسلطة والمتحدثين الرسميين للمعارضة في المقابل، بالإضافة الى البرامج الإخبارية والحوارية التي غدا فيها الشباب والناشطون جزءًا لا يتجزأ، حتى أن عددًا كبيرًا من القنوات العربية صممت برامج تحاكي أفكارهم وهواجسهم، فيما برزت نوعية أخرى من البرامج أضاءت على المدونات وعلى حراك الثورة في فيسوبك وتوتير.
أما المظاهر القسوى لتخطي اعلامنا العربي حقبه الخريفية الماضية، عنصر التقليد الذي حل ايجابيا هذه المرة وليس سطحيا يهمل الجوهر ويتلهّى بالقشور، فبالقدر الذي تهتم فيه أضخم المحطات والقنوات الأخبارية بوسائل التواصل الاجتماعي وحراك الشباب العربي، كذلك هو الحال في أصغر اذاعة محلية وأصغر مجلة وصحيفة ونشرة وقصاصة ومطوية في عالمنا العربي.
عندما تحول المواطن العربي من موقع المقموع المصادرة حرياته والمنتهكة كرامته الى موقع الثائر المتمرد على قيود الواقع الظالمة، أطلقنا على هذا الحراك اسم الربيع العربي، أما اليوم وقد تغلغل الوعي الى اعلامنا العربي وحوّله من نشرة سلطوية رسمية الى واحة للحريات المفقودة، فإننا نستطيع وضع الشكوك والتكهنات جانبًا والاستفادة من لحظة الوعي هذه للقول بأن للإعلام العربي ربيع أيضًا أزهر عام 2011 .

عمر الفاروق النخال

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

في مثل هذا اليوم .. كان ربيع المقاومة


في مثل هذا اليوم ... كان ربيع المقاومة !!
بقلم عمر الفاروق النخال

الربيع العربي الذي نعيش فصوله اليوم ونقلب صفحاته بعين الكرامة والإرادة والتصميم لا تُختصر أسبابه بالمناخات القمعية والوحشية وأساليب مصادرة الحريات التي مارستها الأنظمة المخلوعة البائدة والتي في طريقها الى السقوط طال زمن الظلم أم قصر.

فالثورة على الظلم لم تكن وليدة لحظتها ولم تأت محطة من مشاهد الانهيار الدراماتيكي للأنظمة بقدر ما جاءت فعلاً تراكميًا نجم عن جرائم ارتكبتها تلك الأنظمة بحق شعوب شقيقة لها وحملت أوزارها شعوب لم تستطع على مر السنين سوى التعبير عن التعاطف المعنوي والدعاء القلبي وغيرها من الأشكال الفلكلورية التي لا تغني عن جوع أمام إجرام العدو الصهيوني.

وما استعراضنا لهذه المظاهر الفلكلورية إلا مقدمة للغوص في حدث لم تعد ذكراه فلكلورية يتم احياؤها بحمل الرايات واطلاق الهتافات ورفع صور الشهداء واستصراخ الضمائر فاليوم ووسط أجواء الربيع العربي وكل ما يواكبه من ثورات وانتفاضات متنقلة وحمامات دم مفتوحة في طول العالم العربي وعرضه يبقى للمذابح التي افتتحها العدو الصهيوني في مثل هذا اليوم في قطاع العزة المكان الأكبر والأمثل لتذكّر أكثر من ألف ومئتي شهيد زهقت أرواحم ظلما بمباركة أنظمة سقطت وبمؤامرات حاكتها أنظمة على طريق السقوط وبطأطأة رؤوس كل العرب آنذاك !

في مثل هذا اليوم ترجم العدو الصهيوني رسالة وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني أمام نظيرها أحمد أبو الغيط فكان القرار باغتيال غزة وحصارها وتجويعها وتشريد أهلها واحراقهم بالصواريخ والقذائف والفسفور الابيض تحت البرد القارص وعلى مرأى من الممانعين ولابسي لبوس المقاومة زورا وبهتانا ليزهر على انهار الدم ربيع المقاومة الحقيقية المقاومة التي ترد النار بالنار والرصاص بالرصاص والمواجهة بالمواجهة لا المقاومة الانتهازية صاحبة العقل الترويجي لوعيد مؤجل في كل مرة تكون الضحية فلسطين!

هذه الذكرى وبقدر ما هي محطة لاستذكار الدم الغالي الذي سقط وصور الدم والجثث والأشلاء هي فرصة لتسمية الاسماء بأسمائها ولوضع النقاط على كل الحروف وللمقارنة بين من قُتل وذُبح وبين من شارك في المذبحة وتآمر كما هي فرصة لاختيار المفهوم الأنسب للمقاومة التي ترجمتها غزة بالتصدي والبطولات وترجمها الندّابون بغض البصر والبصيرة

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

تيار المستقبل .. ومواسم الاستغباء !!

لا يختلف اثنان على نجاح تيار المستقبل في تكريس مشهدية جماهيرية جديدة بعد صراع موجع وطويل مع جولات أفوله السياسي والمعنوي والشعبي فمجرّّد خروج هذا التيار من السلطة عقب الإطاحة بحكومة الرئيس سعد الحريري وتكليف الرئيس نجيب ميقاتي شكّل صدمة في صميم القيادة الزرقاء أنتجت انقطاعا مريبا في التواصل مع القاعدة الشعبية في بادئ الأمر وصولا إلى السفر الطويل للرئيس سعد الحريري وما رافق هذه الفترة من أخطاء فادحة لا تليق بالجمهور الأزرق الذي ملأ الساحات مرارًا وتكرارًا وصوّت "زي ما هيي" في أحرج وأدق اللحظات السياسية.

هذا الوفاء المطلق كان من شأنه اعادة تيار المستقبل بقوّة إلى الخارطة السياسية اليوم لو ان المعنيين أحاطوه بالقليل من المواكبة السليمة والدراية التي تحفظ لهذا الجمهور كرامته وتقدر تضحياته وهو الذي اعتاد ان يسبق قياداتة إلى قلب العاصفة في كل نكسة وفي كل معركة سياسة إلاّ أن ما جرى خلال مهرجان "خريف السلاح .. ربيع الاستقلال" في طرابلس بددّ هذه الصورة الحالمة ليس بالمعنى الجماهيري الذي تكتبه الفيحاء طرابلس ومعها الشمال العزيز بحروف الوفاء في كل استحقاق ومحطة بل بالمعنى السلوكي غير اللائق بحق الخزان البشري الأكبر والأوفى لهذا التيار.

فما جرى أن تجاهل تيار المستقبل أمام الموج البشري الذي تدفق الى معرض رشيد كرامي التحديات المقبلة المنطلقة من أهمية تصالحه مع هذا الجمهور الممتعض من الفترة السابقة كما ومن ضرورة الإطلالة عليه بالمعطيات والقناعات السياسية المستجدة بعد مرحلة الأفول إلاّ ان التيار اختار مع الأسف فتح صفحة التحديات باطلاق موسم جديد من مواسم الاستغباء التي جاءت طلائعها غياب الرئيس سعد الحريري صوتًا وصورةً وحضورا عن مهرجان طرابلس على نحو مخيب لعشرات الآلاف في معرض رشيد كرامي ولكل المراقبين الذي انتظروا كلاما منسجما مع المستجدات والتطورات واذ بالكلمة التي القاها عنه الرئيس فؤاد السنيورة تركز على المحكمة وتبتعد عن الهدف الذي جرى تنظيم المهرجان من أجله ألا وهو اسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي واطلاق العنان لتحركات مقبلة في الشارع تؤسس لمرحلة الانتخابات النيابية المقبلة.

ومهما اشتد المناخ التبريري لهذا الخطأ الفادح سواء عبر البيانات الرسمية أو الرسائل التفاعلية من قبل الرئيس الحريري نفسه عبر موقع "توتير" فهذا لا يلغي اطلاقًا المسؤولية الكبرى التي عادت والقيت على عاتق التيار في فتح حوار صريح وشفاف وعلى بساط أحمدي مع جمهوره والا فان الساحات لن تعج بعد اليوم بعشرات ومئات الآلاف وكذلك الأمر بالنسبة لصناديق الاقتراع التي لن تتسع لشعار "زي ما هيي" وهذا ليس لتخلي الجماهير عن وفائها بل حفاظا على كرامتها المجروحة في غير محطة واستحقاق ذهبت اليها هذه الجماهير عن اقتناع وايمان وليس بالتسليم الأعمى !!

غياب كلمة الرئيس سعد الحريري عن مهرجان "خريف السلاح .. ربيع الاستقلال" خطأ قاتل وتداعياته انذار شعبي وجماهيري أوّل الى تيار المستقبل ينبغي تداركه بفتح كل قنوات الحوار وليس اختصارها بـ "تويتر" كما باطلاق مواسم المراجعة والنقد الذاتي لا مواسم الاستغباء!!

عمر الفاروق النخال

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

كلمتي في مئة يوم على وفاة محمد طه متسمما

كلمة منسق الحملة عمر الفاروق النخال في احياء ذكرى مرور 100 يوم على
وفاة الصحافي الشاب محمد طه متسمما

بحثت عن كلمات كثيرة تصف هذا الغياب، فما وجدت أمامي الا الأيام الصعبة التي عبرت على الجرح، والساعات المتثاقلة المتباطئة التي تنكأ الجرح وتحفره عميقا.. عميقا.
ما وجدت الا الثواني السمجة تسكب في نفوسنا ضجر الرحيل المر، الرحيل الذي لم يستفق منه حتى اليوم كل من عرفك وعايشك وأحبك.
... طال الغياب يا طه، مئة يوم مرت بغياب الصوت الذي رسم ضجيج أحلى ايام العمر.

2400 ساعة انقضت وكأنها ذاك الفجر الاسود الذي خطفك منا مسابقا ضوء النهار.
144000 دقيقة مرت على صمت جفونك وعلى صمتنا المفجع.
864000 ثانية مضت بلا روح عذبة مرحة تملأ ايامنا القلقة الحزينة.
طال الغياب يا طه، وأنت الحاضر في كل يوم وساعة ودقيقة وثانية، حاضر في حديث الأحبة الأوفياء وفي كل صورة كست جدران عزلتنا وفي كل مشوار يتيم.

فمتى؟
متى يا طه ينتهي هذا المنام؟
متى تنطق هذه الصور وتقر بأن الرحيل كذبة وبأن روحك تختبئ خلفها؟
متى تقرع الأبواب وتدخل علينا تهزأ من أحزاننا وتقول أن موتك ضرب من طرائفك؟
متى تعود مبتسما متأنقا متألقا لتعود الحياة كما كانت؟ لتعود الألوان الى رسوماتك ولوحاتك والى غرفتك الصغيرة التي نخرها الملل؟ ليعود الفرح الى وجوهنا المقهورة؟

هذه أخبارنا هنا يا محمد فماذا عنك؟ أخبرنا عنك قليلا، كل تكتب قصيدة تبرر فيها كتابتك لقصيدة "استقالة روح" ؟ هل ترسم لوحة عن مدينة الفرح التي غزاها الحزن وكساها الحداد؟ ام انك ما زلتَ غارقا بين سطور آخر تحقيقاتك عن سلامة الغذاء، التحقيق الذي كتبتَه يا طه بحروف الرحيل ونقرأه عنك كل يوم بعين التحدي والاصرار والتصميم حتى لا تتكرر مأساة فقدك في اي بيت او عائلة.
***
رفيق العمر، أناشدك وأنت في عليائك أن تكتب ما يليق بدولة اللادولة وبرجال خلناهم رجال دولة لحظة هبّوا ودقوا الصدور بالذهاب في قضيتك الى آخر المطاف أي الى معاقبة المقصر واقفال المطعم المشؤوم حيث قضيت آخر جلساتك واذا بهم كما كل المناورين لجأوا الى أدراج الاهمال والنسيان وفي خيلائهم أن الأمر انتهى.

مرّروا الاسبوع تلو الأسبوع والشهر تلو الشهر، تحاملوا وزايدوا على الجراح، أوهمونا بتقرير طبي واضح ومفصل على قاب قوسين أو أدنى من الظهور، أجلوا وأجلوا فكانت النتيجة يا محمد أن قيمة الانسان في وطننا لا تساوي الا قصاصة مكتوبة بالحبر الناشف!

في الرابع والعشرين من آب الماضي أطلقنا حملتنا لرقابة أكثر حتى لا نبقى مشروع موت لعلّ المياه الراكدة في وزارة الصحة تتحرك، وقبل اسابيع سألنا وزير الصحة علي حسن خليل من لبنان وكافة الدول العربية "وين صار التقرير" عبر مئات الرسائل الهاتقية القصيرة الى رقم معاليه فكانت الاجابة هذه القصاصة المهينة لروحك ولجرحنا ولحقنا الطبيعي في معرفة الاسباب الكامنة وراء وفاتك.

قصاصة أعلمنا بموجبها معالي وزير الصحة علي حسن خليل بانجاز التحاليل الطبية واحالة اجراءاتها الى وزارة الداخلية دون تحديد أي شخص أو معنيّ حتى لمجرد الاستفسار او متابعة الموضوع معه، في خطوة وبالقدر الذي نرى فيها تصرفا غير مسؤول ولا ينم عمّن ملأ الدنيا ضجيجا بالوعود والشعارات البراقة نلمس فيها محاولة جديدة للتهرب وللالتفاف على قضية محمد طه عبر ارسالها الى وزارة الداخلية حيث سنعاود الدخول في دوامة التسويف والمماطلة الاّ اذا جاءت المناخات على عكس توقعاتنا ووجدنا فعلا أن في زحمة الأمنيات والسياسة ما يزال هناك مكان ولو صغير لقيمة الانسان وللشاب محمد طه ولأي مواطن قد يقع اليوم أو غدا أو بعد غد ضحية الاهمال المزمن.
ان هذا التصرف-القصاصة يدفعنا اليوم الى احياء ذكرى مرور 100 يوم على وفاة الشاب محمد طه متسمما ويحثنا على مواصلة اصرارنا وتصميمنا ببلوغ حقيقة واضحة حول اسباب وفاته وبالحصول على تقرير طبي واضح حتى ولو احيل الملف الى قصر بعبدا.

هذه المناسبة مع ما احاطها من تقصير واهمال وجراح تدفعنا الى اطلاق صرخة برسم كل المعنيين، قروح محمد طه الذي سُلبت روحه في بلدنا بأبخس الأثمان ستبقى في رقابكم إذا ما لم تبادروا وتضعوا الاصبع على الجرح وتداوون وجع الناس.

كونوا رجالا لمرة واحدة!
قولوا للمقصر انت مقصر!
قولوا للمهمل انت مهمل!
قولوا للقاتل أنت قاتل!
قولوا لتاجر الموت انت تاجر موت!

مئة يوم صارت أكثر من كافية لتسحبوا ملف محمد طه من أدراج الاهمال وتسمية المقصرين ومحاسبتهم والاّ فان اللقاءات المقبلة لن تكون بعد اليوم في غرف مقفلة وهذا ليس لا بتهديد ولا بوعيد بل مجرد اشارة الى اننا سنلاحق القضية بأنفسنا حتى آخر المطاف اذا ما تواصل الاصرار على الاهمال وتعداد الضحية تلو الضحية جراء لقمة سامة.

ان حملة لرقابة أكثر حتى لا نبقى مشروع موت وايمانا منها بأن أهدافها الموضوعة غير مصممة لقضية محمد طه فحسب بل لكل من يرى نفسه معنيا في تحسين سلامة الغذاء ولكل من يستشعر بأنه قد يكون الضحية المقبلة تطل على الراي العام اليوم واضعة في تصرفه عناوين الحملة على موقعي التواصل فايسبوك وتوتير للتواصل معها والابلاغ عن اي حالات تسمم أو لأي استفسار واقتراح من شأنه المضي قدما نحو نحسين سلامة الغذاء ودائما .. حتى لا نبقى مشروع موت.
***
وفي الختام عودة اليك يا محمد، يا من تجمعنا صورك اليوم وقد صرت صورة التصميم والارادة, وعدنا اليك ان ترقد روحك بسلام وقسمٌ بألاّ تغرق قضيتك كما كل القضايا الراحلة وابطالها الراحلون في مستنقعات التقصير والاهمال وفي مقابر دولة اللا دولة.

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2011

مئة يوم .. بلا طه !!

॥ وفي صبيحة اليوم المئة على غيابك المر عدت أكتب، عدت الى القلم الذي هجرته منذ سافرت الى دنيا الحق مكتفيا منذ فجر الرابع من تموز بما تمليه عليّ الجراح من مشاعر وخواطر وكلمات تروي فجع رحيلك।


عدت أكتب وعدت الى الطاولة التي عدت فيها يا طه جاري الحبيب الطيب المطل هذه المرة من صورة تخرجنا الجميلة التي تحبها والتي احب وليس من شباك الطفولة القرميدي، عدت هذه المرة أنيس الوحشة الحزينة الخرساء تطل علي وعلى حزني وكتبي واقلامي ودفاتري وكتاباتي التي احتلها الحزن ودخلها اسمك يا رفيق العمر من ابواب الفراق دون استئذان।


في هذه الصبيحة اقول لك كما كل يوم صباح الخير، واقطع أمام صورتك وروحك العبقة وعدا بان لا أكتب حرفا بعد اليوم الا وأنا مؤمن بقضاء الله وقدره، لكن ايماني هذا لا يمنع أبدا من مصارحتك بكل الأفكار التي راودتني منذ فاضت روحك الى باريها، فأنا الذي فزت بفرصة لقائك على فراش المرض قبل رحيلك ما تصورت ابدا ان الساعات المقبلة ستكون ساعات الفراق، ما تصورت ابدا ان هذا الجسد المحاط بآلات الانعاش والنباريج هو انت، ما تخيلت ان تلك العيون الذابلة هي عيون طه المشرقة الباسمة للحياة بحلوها ومرها، أما خبر الرحيل فهو ما لا أصدقه حتى اليوم وهو ما تختلط فيه صور مغايرة صور اراك فيها نجوت ॥ اراك فيها معنا।


ما تخيلت ان الصورة الأخيرة لك في وجداني، هي تلك التي مررت فيها اناملي المرتجفة على جبينك الفاتر وعلى حاجبيك قبل ان يغلقوا ابواب العناية الفائقة ويغلق باب عمرك على 25 ربيعا، ما تخليت ان ما بعد هذه الصورة سيكون قاسيا الى هذا الحد لهذا اترك لمخيلتي أحيانا التلهي بصور ومواقف يا ليتها حصلت لتبقى معنا।


شاء القدر ان تكون ظروف رحيلك بهذه السوداوية، لكن في قلبي المشتاق وفي عيوني الشاحبة مكان لصور أخرى أجد فيها خبر رحيلك خبرا عن تعافيك وتخطيك للخطر، أجد فيها صور توافدنا الى منزلك مكسورين ساعة تشييعك صورة لزيارتنا اليك وقد انتقلت من فراش العناية الى فراش النقاهة والشفاء وقد نفضت اثقال المرض عن عينيك وعاد صوتك يسأل عن الشدة التي ألمت بك والسنتنا تروي وتسرد ما سببته لنا من قلق وخوف، أجد فيها صور حزننا متحلقين حول صورك صورنا ونحن الى جانبك في غرفتك تشتكي لنا من ملل المكوث في الفراش وتبدي رغبتك بالخروج قليلا।


هذه هي الصور التي اعزي بها نفسي المذبوحة يا طه منذ 100 يوم، بها اقنع دمعتي الحارقة وغصتي في كل يوم أمر من امام منزلك حيث ارى طيفك ينتظر على تلك الدرجات ،هذه هي الصور التي أسخر فيها من جبني على الادراك بأن مرّ مئة يوم .. بلا طه!!

عمر الفاروق النخال

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

كان الحلو سهران

كــــان الحــــلو سهـــــران ..

عشرفات القمر كان الحلو سهران لمّا غيمات الغدر سقيتو سمها

يا هالايام الي صرتي بعدو مش ايام دبل الحكي والكلمات نشّف دمها
...
يا خوفي بكرا تبكينا الصور والآخ المدبوحة تنوح وما حدا يلّمها

صعبي العمر يمرق حزين وصعبي ورود المواسم عالقبر نشمها

عمر الفاروق النخال